فصل: قدوم بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير **


 وفود العرب

وفي سنة تسع قدمت وفود العرب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت تسمى بذلك ففيها قدم وفد بني تميم الذي تقدم ذكره‏.‏وفيها قدم وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر‏.‏

قاله ابن إسحاق قال وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم فقدم عامر ابن الطفيل عدو الله على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم قال والله لقد كنت آليت لا أنتهي حتى يتبع العرب عقبي فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف فلما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عامر بن الطفيل يا محمد خالني قال ‏"‏ لا والله حتى تؤمن بالله وحده ‏"‏ قال يا محمد خالني وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يجير شيئاً فلما رأى عامرما يصنع أربد قال يا محمد خالني قال ‏"‏ لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له ‏"‏ فلما أبى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً فلما ولى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اللهم اكفني عامر بن الطفيل فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قال عامر لأربد ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً قال لا أبا لك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف ‏"‏‏.‏

وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول يا بني عامر أغدة كغد البكر في بيت امرأة من بني سلول من خرج أصحابه حين واروه التراب حتى قدموا أرض بني عامر فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا ما وراءك يا أربد قال لا شيء والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما‏.‏

 قدوم ضمام بن ثعلبة

قرأت على أبي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني بسفح قاسيون أخبركم أبو اليمن الكندي قراءة عليه وأنتم تسمعون سنة سبع وستمائة وأبو محمد بن عبد العزيز بن الأخضر إجازة من بغداد قالا أنا الحافظ أبو القاسم بن السمرقندي سماعاً قال أنا أبو الحسين بن النقور قال أنا أبو القاسم عيسى بن علي بن الجراح الوزير قراءة عليه وأنا أسمع فثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي فثنا إسحاق ابن إبراهيم المروزي قال حدثني أبو عمارة حمزة بن الحارث بن عمير وهو أبو عمير قال سمعت أبي يذكر عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال‏:‏ بينما النبي صلّى الله عليه وسلّم مع أصحابه متكئاً أو قال جالساً جاءهم رجل من أهل البادية فقال أيكم ابن عبد المطلب قالوا هذا الأمغر المرتفق قال حمزة الأمغر الأبيض مشرب حمرة والمرتفق مثل المتكئ قال فدنا منه وقال إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فقال ‏"‏ سل عما بدا لك ‏"‏ فقال أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك آلله أرسلك قال ‏"‏ اللهم نعم ‏"‏ قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة قال ‏"‏ اللهم نعم ‏"‏ قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا قال ‏"‏ اللهم نعم ‏"‏ قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثني عشر شهراً قال ‏"‏ اللهم نعم ‏"‏ قال فأنشدك بالله آلله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً قال ‏"‏ اللهم نعم ‏"‏ قال فإني قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة وأما هذه الهناة فوالله إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية‏.‏

قال حمزة فسمعت أبي يقول الهناة الفواحش قال فلما أن ولي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقه الرجل‏.‏قال فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول‏:‏ ما رأيت أحداً أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة‏.‏

وذكر ابن إسحاق هذا الخبر وقال فيه إن ضماماً قال لقومه عندما رجع إليهم إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه قال فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً قال يقول عبد الله بن عباس فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة‏.‏

ذكره عن محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس‏.‏

 قدوم الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس

وكان نصرانياً قال ابن إسحاق فحدثني من لا أتهم عن الحسن قال لما انتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلمه فعرض عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال يا محمد إني قد كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ نعم أنا ضامن إن قد هداك الله إلى ما هو خير منه ‏"‏ قال فأسلم وأسلم أصحابه ثم سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحملان فقال والله ما عندي ما أحملكم عليه فقال يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس أفنتبلغ عليها إلى بلادنا قال ‏"‏ لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار ‏"‏‏.‏

فخرج من عنده الجارود راجعاً إلى قومه وكان حسن الإسلام صليباً على دينه حتى هلك وقد أدرك الردة فلما رجع قومه من كان أسلم منهم إلى دينه الأول مع المغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام فقال أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد‏.‏

وقد روينا خبر قدومه من حديث سليمان بن علي عن علي ابن عبد الله عن عبد الله بن العباس وفيه إنشاده النبي صلّى الله عليه وسلّم حين قدم عليه في قومه‏:‏ يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفداً وآلافآلا وطوت نحوك الضحاضح طراً لا تخال الكلال فيه كلالا كل دهناء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلاصناً إرقالا وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلالا

 قدوم بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب

قال ابن إسحاق وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثم من بني النجار فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تستره بالثياب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه ‏"‏‏.‏

قال ابن إسحاق وقد حدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة أن حديثه كان على خلاف هذا‏:‏ أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا قال فأمر له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمثل ما أمر به للقوم وقال ‏"‏ أما إنه ليس بشركم مكاناً ‏"‏ أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذي يريد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم‏.‏

قال ثم انصرفوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجاءوه بما أعطاه فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم وقال إني قد أشركت في الأمر معه وقال لوفده الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكرتموني له ‏"‏ أما إنه ليس بشركم مكاناً ‏"‏ ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن‏:‏ لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشاً‏.‏

وأحل لهم الخمر والزنا ووضع عنهم الصلاة وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه نبي فأصفقت معه حنيفة على ذلك فالله أعلم أي ذلك كان‏.‏

قلت كان مسيلمة صاحب نيروجات يقال إنه أول من أدخل البيضة في القارورة وأول من وصل جناح الطائر المقصوص وكان يدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها‏.‏

قتله زيد بن الخطاب رضي الله عنه يوم اليمامة وقال رجل من بني حنيفة يرثيه‏:‏ لهفي عليك أبا ثمامه لهفي على ركني شمامه كم آية لك فيهم كالشمس تطلع من غمامه حكاه السهيلي وقال كذب بل كانت آياته منكوسة يقال إنه تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركاً فملح ماؤها وسمح رأس صبي فقرع قرعاً فاحشاً ودعا لرجل في ابنين له بالبركة فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب ومسح على عيني رجل استشفى

 قدوم زيد الخيل بن مهلهل الطائي في وفد طيء

قال ابن إسحاق‏:‏ وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا إليه كلمهم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم‏.‏

وقال عليه السلام ‏"‏ ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه ‏"‏‏.‏ثم سماه زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعاً إلى قومه فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ إن ينج زيد من حمى المدينة ‏"‏ فإنه قال قد سماها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى بها فمات فلما أحس زيد بالموت قال‏:‏ أمرتحل قومي المشارق غدوة وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مضت لعادني عوائد من لم يبر منهن بزهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان من كتبه التي أقطعها له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأحرقتها بالنار‏.‏

قال أبو عمر وقيل بل مات في آخر خلافة عمر وكان قد أسر عامر بن الطفيل قبل إسلامه وجز ناصيته‏.‏

وكان له ابنان مكنف وبه كان يكنى وحريث أسلما وصحبا النبي صلّى الله عليه وسلّم وشهدا قتال أهل الردة مع خالد

 ‏.‏قدوم عدي بن حاتم الطائي

قال ابن إسحاق وكان يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين سمع به مني أما أنا فكنت امرأ شريفاً وكنت نصرانياً وكنت أسير في قومي بالمرباع فكنت في نفسي على دين وكنت ملكاً في قومي لما كان يصنع بي فلما سمعت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كرهته فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعياً لا بلى اعزل لا أبا لك اعزل لي من إبلي أجمالاً ذللاً سماناً فاحبسها قريباً مني فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطيء هذه البلاد فآذني ففعل ثم إنه أتاني ذات غداة فقال يا عدي ما كنت صانعاً إذا غشيك محمد فاصنعه الآن فإني قد رأيت زيات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد قال فقلت فقرب لي أجمالي فقربها فاحتملت أهلي وولدي ثم قلت ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام وخلفت بنتاً لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سبايا من طيء وقد بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هربي إلى الشام فجعلت بنت حاتم في حظيرة باب المسجد كانت السبايا بحبس فيها فمر بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك وقال ‏"‏ من وافدك ‏"‏ قالت عدي بن حاتم فقال ‏"‏ الفار من الله ورسوله ‏"‏‏.‏

ثم مضى وتركني حتى إذا كان من الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالأمس حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي فكلميه فقمت إليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني ‏"‏‏.‏

فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن كلميه فقيل هو علي بن أبي طالب فأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة قالت وإنما أريد أن أتي أخي بالشام قالت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ قالت فكساني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي فوالله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا قال فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت علي انسجلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية والديك عورتك قال قلت أي أخية لا تقولي إلا خيراً فوالله مالي من عذر لقد صنع ما ذكرت قال ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعاً فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله وإن يك ملكاً فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت قال قلت والله إن هذا للرأي قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة فدخلت عليه فقال ‏"‏ من الرجل ‏"‏ فقلت عدي بن حاتم فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك قال ثم مضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إلي فقال ‏"‏ اجلس على هذه ‏"‏ قال فقلت بل أنت فاجلس عليها قال ‏"‏ بل أنت ‏"‏ فجلست عليها وجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأرض قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال ‏"‏ إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسياً ‏"‏ قال قلت بلى قال ‏"‏ أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ‏"‏ قال قلت بلى قال ‏"‏ فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك ‏"‏ قال قلت أجل والله قال وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال ‏"‏ لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ‏"‏ قال فأسلمت قال فكان عدي يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها ولا تخاف من يأخذه الركوسية قوم لهم دين‏.‏

قوله وغاب الوافد بالواو وقال بعض الناس لا معنى له إلا على وجه بعيد‏.‏

قال ووجدت الرقام ذكره في كتابه الرافد بالراء وهو أشبه‏.‏

 قدوم فروة بن مسيك المرادي

قال ابن إسحاق وقدم فروة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مفارقاً لملوك كندة وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الردم فكان الذي قاد إلى مراد همدان الأجدع بن مالك في ذلك اليوم وابن هشام يقول مالك بن خزيم وعن الدارقطني وابن ماكولا فيه حريم بفتح الحاء مكسور الراء المهملتين قيل هو والد مسروق بن الأجدع‏.‏

حكاه الدارقطني وتبعه ابن ماكولا وهو مما أنكره الوقشي وقال ليس مالك بن حريم جد مسروق كما زعم لأن مالكاً من بني دالان بن سابقة بن ناشح بن دافع بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان ومسروقاً من بني معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر بن ناشح رأيته بخط الأستاذ أبي علي الشلوبين وقد أسقط بين جشم بن خيوان حاشد بن جشم‏.‏

كذا هو عند الرشاطي جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف‏.‏

ولما توجه فروة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال‏:‏ لما رأيت ملوك كندة أعرضت كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمداً أرجو فواضلها وحسن ثرائها وقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ‏"‏ قال يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسوءه فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً ‏"‏ واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم‏.‏وقدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد قدم عمرو فأسلم وكان قد قال لقيس بن مكشوح المرادي وقيس ابن أخته يا قيس إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه فإن كان نبياً كما يقول فإنه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسبقه رأيه فركب عمرو حتى قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلم وصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيساً أوعد عمراً فقال عمرو في ذلك شعراً أوله‏:‏ أمرتك يوم ذي صنعاء أمراً بادياً رشده وأقام عمرو في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ارتد عمرو‏.‏

قاله ابن إسحاق‏.‏

وذكر أبو عمر من طريق ابن عبد الحكم فثنا الشافعي قال‏:‏ وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن قال‏:‏ ‏"‏ إذا اجتمعتما فعلي الأمير وإذا افترقتما فكل واحد منكما أمير ‏"‏ فاجتمعا وبلغ عمرو بن معدي كرب مكانهما فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فإني لم أسم لأحد قط إلا هابني‏.‏فلما دنا منهما نادى أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب فابتدره علي وخالد وكلاهما يقول لصاحبه خلني وإياه ويفديه بأبيه وأمه فقال عمرو إذ سمع قولهما العرب تفزع بي وأراني لهؤلاء جزرة‏.‏

فانصرف عنهما وكان عمرو فارس العرب مشهوراً بالشجاعة وكان شاعراً محسناً فمما يستجاد من شعره قوله‏:‏

أعاذل عدتي يزني ورمحي ** وكل مقلص سلس القياد

أعاذل إنما أفني شبابي ** إجابتي الصريخ إلى المنادي

مع الأبطال حتى سل جسمي ** وأقرح عاتقي حمل النجاد

ويبقى بعد حلم القوم حلمي ** ويفنى قبل زاد القوم زادي

تمنى أن يلاقيني قييس ** وددت وأينما مني ودادي

فمن ذا عاذري من ذي سفاه ** يرود بنفسه شر المراد

أريد حباءه ويريد قتلي ** عذيرك من خليلك من مراد

يريد قيس بن مكشوح‏.‏

وأسلم قيس بعد ذلك وله ذكر في الصحابة وقيل كان إسلامه بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم‏.‏

وكان شجاعاً فارساً شاعراً‏.‏

وكان يناقض عمراً وهو القائل لعمرو فلو لاقيتني لاقيت قرناً وودعت الحبائب بالسلام لعلك موعدي ببني زبيد وما قامعت من تلك اللئام

 قدوم الأشعث بن قيس

وقدم الأشعث بن قيس في ثمانين راكباً من كندة فدخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا وعليهم جبب الحبرة وقد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ‏"‏ ألم تسلموا ‏"‏ قالوا فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال فشقوه منها فألقوه وقالوا يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار‏.‏

قال فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال ‏"‏ نحن بني النضير ابن كنانة لا نقفوا أمنا ولا نقتفي من أبينا ‏"‏‏.‏

كان الأشعث رئيساً مطاعاً في الجاهلية وجيهاً في قومه في الإسلام إلا أنه ممن ارتد بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق وشهد بعد ذلك مع سعد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند ومات سنة أربعين أو اثنتين وأربعين بالكوفة‏.‏

وآكل المرار الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية من كندة وقيل جده حجر بن عمر أكل هو وأصحابه في غزوة شجراً يقال له المرار وللنبي صلّى الله عليه وسلّم جدة من كندة مذكورة هي أم كلاب بن مرة فذلك أراد الأشعث‏.‏

 قدوم صرد بن عبد الله الأزدي

وقدم صرد بن عبد الله الأزدي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في وفد من الأزد فأمره على من أسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن فخرج حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن‏.‏وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم فحاصروهم فيها قريباً من شهر وامتنعوا فيها منه‏.‏

ثم إنه رجع عنهم قافلاً حتى إذا كان ببلد يقال له شكر ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزماً فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً شديداً‏.‏

وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة يرتادان وينظران فبينما هما عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشية بعد العصر إذ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ بأي بلاد الله شكر ‏"‏ فقال الجرشيان فقالا يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال ‏"‏ إنه ليس بكشر ولكنه شكر ‏"‏‏.‏

قالا فما شأنه يا رسول الله قال ‏"‏ إن بدن الله لتنحر عنده الآن ‏"‏ قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما ويحكما إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينعي الآن لكما قومكما فقوما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما فقاما إليه فسألاه ذلك فقال ‏"‏ اللهم ارفع عنهم ‏"‏ فخرجا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم راجعين إلى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما قال وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر فخرج وقد جرش حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلموا وحمي لهم حمي حول قريتهم‏.‏

 قدوم رسول ملوك حمير

وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاب ملوك حمير ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان وبعث إليه زرعة ذو يزن بإسلامهم فكتب إليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ ‏"‏ من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال والي النعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد‏:‏ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنه وقع بنا رسولكم منقلباً من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبر ما قبلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله تعالى وسهم النبي وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وما سقى الغرب نصف العشر وأن في الإبل الأربعين ابنة لبون وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر وفي كل خمس من الإبل شاة وفي كل عشر من الإبل شاتان وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة وأنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيراً فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم ولهم ذمة الله وذمة رسوله وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من الؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عليها وعليه الجزية على كال حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثياباً فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإن له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله أما بعد فإن محمداً النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيراً معاذ ابن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرارة وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من محالفيكم وأبلغوها رسلي وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضياً أما بعد فإن محمد شهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله‏.‏

ثم إن مالك بن مرارة الرهاوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيراً ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو مولى غنيكم وفقيركم وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وأن مالكاً قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيراً فإنه منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله ‏"‏‏.‏

قال ابن إسحاق وبعث فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي رسولاً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء‏.‏

وكان فروة عاملاً للورم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه أخذوه فحبسوه عندهم ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ماء لهم يقال له عفراء فلسطين فزعم الزهري ابن شهاب أنهم لما قدموا ليقتلوه قال‏:‏ أبلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء‏.‏

ثم بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذلك فكتب له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقبل ويقبل معه وفدهم فأقبل وأقبل معه وفدهم منهم قيس بن الحصين ذي القصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد ابن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبد الله الضبابي وقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ‏"‏ قالوا لم نكن نغلب أحداً قال ‏"‏ بلى ‏"‏ قالوا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحداً بظلم قال ‏"‏ صدقتم ‏"‏ وأمر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو في ذي القعدة فليم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم‏.‏

وذو القصة لقب لأبي قيس قيل له ذلك لقصة كانت بحلقه لا يكاد يبين منها‏.‏